عمر السهروردي
339
عوارف المعارف
وقيل لبعضهم : هل تحدث نفسك في الصلاة بشيء من أمور الدنيا ؟ فقال : لا في الصلاة ولا في غيرها . ومن الناس من إذا أقبل على اللّه في صلاته يتحقق بمعنى الإنابة ، لأن اللّه تعالى قدم الإنابة وقال مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ « 1 » . فينيب إلى اللّه تعالى ويتقى اللّه تعالى بالتبري عما سواه . ويقيم الصلاة بصدر منشرح بالإسلام ، وقلب منفتح بنور الإنعام ، فتخرج الكلمة من القرآن من لسانه ، ويسمعها بقلبه ، فتقع الكلمة في فضاء قلب ليس فيه غيرها ، فيتملكها القلب بحسن الفهم ، ولذيذ نعمة الإصغاء ، ويتشربها بحلاوة الاستماع وكمال الوعي ، ويدرك لطيف معناها وشريف فحواها . معاني تلطف عن تفصيل الذكر ، وتتشكل بخفى الفكر ، ويصير الظاهر من معاني القرآن قوت النفس . فالنفس المطمئنة متعوضة بمعانى القرآن عن حديثها ، لكونها معاني ظاهرة متوجهة إلى عالم الحكمة والشهادة ، تقرب مناسبتها من النفس المكونة لإقامة رسم الحكمة . ومعاني القرآن الباطنة التي يكاشف بها من الملكوت قوت القلب ، وتختص إلى الروح المقدس إلى أوائل سرادقات الجبروت بمطالعة عظمة المتكلم ، وبمثل هذه المطالعة يكون كمال الاستغراق في لحج الأشواق . كما نقل عن مسلم بن يسار أنه صلى ذات يوم في مسجد البصرة فوقعت أسطوانة تسامع بسقوطها أهل السوق وهو واقف في الصلاة لم يعلم بذلك .
--> ( 1 ) سورة الروم : الآية 31 .